إعلان

المثقف المُسيس وخلاف الرأي الذي يفسد للود ألف قضية

طارق أبو العينين

المثقف المُسيس وخلاف الرأي الذي يفسد للود ألف قضية

طارق أبو العينين
09:00 م السبت 31 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"قد أختلف معك في الرأي ولكنى مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في التعبير عن رأيك"، تلك المقولة التي دشنها "فولتير"، أبرز أقطاب تيار التنوير في فرنسا، كان من المفترض أن تكون ميثاق شرف يحكم سلوك الجماعة الثقافية بمعناها الكوني؛ لأنها تتسم دون غيرها من الجماعات المهنية باختلاف واضح في الرؤى والأفكار التي تعكس طبيعة تكوين وانتماء كل مثقف داخلها، إلا أن ظاهرة المثقف المُسيس سواء المنخرط في حزب أو المعبر برأيه فقط عن قناعاته السياسية كانت ولا تزال سبباً رئيسياً في إفساد علاقة الود والصداقة، وصولاً إلي القطيعة الكاملة بين المثقفين، بل واستخدام العنف المادي من قبل بعض المثقفين (الكبار) كوسيلة للتعبير عن خلافهم السياسي.

وفى هذا المقال سوف نسرد ثلاث قصص تعبر عن الطابع الإشكالي لظاهرة المثقف المُسيس من زاوية؛ تأثيرها على المناخ الثقافي والعلاقات الإنسانية داخل الجماعة الثقافية بدءًا من مستوى القطيعة ووصولاً إلى مستوى استخدام العنف المادي ....

القصة الأولي:
هي قصة قطيعة الصديقين "جان بول سارتر" و"ألبير كامي"، والاثنان معروفان للكافة بوصفهما القطبين اللذين شكلاً الحركة الفكرية والثقافية في فرنسا لعقود عدة، وقد بدأت العلاقة بينهما بلقاء جمع الاثنين عام 1943 في حفل افتتاح مسرحية (الذباب ) لـ"جان بول سارتر"، ثم توطدت مع بداية التحاق "سارتر" بالعمل النضالي الذى سبقة إليه كامي عندما ترأس تحرير صحيفة (كومبا)، وهي صحيفة فرنسية سرية قادت فكرياً عملية المقاومة ضد الاحتلال الألماني، ومن هنا أصبح "سارتر" الفيلسوف والمنظر الكبير تابعاً لكامي المناضل بحسب ما أشار عالم الاجتماع الأمريكي "رونالد أرونسون" في كتابة (كامي وسارتر)، وفي هذا السياق وفي إطار الموقف من العنف فسر "أرونسون" الكثير من المنعطفات التي مرت بها علاقة "كامي" بـ"سارتر"، فالأول كان يرفض العنف بكافة أشكاله، باستثناء ما يتعلق منه بمقاومة الاحتلال، بخلاف "سارتر" الذى كان يعتقد من منطلق قناعاته كمثقف شيوعي ثوري، بأن العنف بمثابة ضرورة تاريخية لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق العدالة الاجتماعية، وبُعيد انتهاء الحرب العالمية وانقسام العالم إلى معسكرين ليبرالي وشيوعي، بدأت الأنباء ترشح عن جرائم حكم "ستالين" في الاتحاد السوفيتي، فسجل كامي موقفة المُعادي لتلك الجرائم مؤكداً أن المقولة الماركسية الشهيرة "الغاية تبرر الوسيلة"، قد أسبغت مشروعية على القتل واصفاً الشيوعيين المؤيدين للستالينية بأنهم حشد أنيق مليء بالقتلة وقد أثار موقف كامي أعضاء الحزب الشيوعي الفرنسي، وبالمقابل شهدت نفس المرحلة تقارباً فكرياً وعقائدياً بين "سارتر" والشيوعيين، باعتبار "سارتر" مثقفاً ملتزماً يتجلى دوره في الدفاع عن الطبقات الفقيرة والمهمشة التي لن تجد لها نصيراً أفضل من الشيوعية، ومن ثم يمكن التغاضي عن ممارساتها العنيفة بُغية تحقيق العدالة الاجتماعية، وهو موقف عبر عنه "سارتر" كثيراً سواء من خلال مؤلفاته مثل كتابه الشهير (ما هو الأدب)، أو مقالاته التي كان ينشرها في مجلة (الأزمنة الحديثة) أشهر صحيفة فكرية وسياسية في فرنسا وقتها، وبحلول عام 1951 وإصدار "كامي" لكتابه (الإنسان المتمرد) الذي فاقم غضب الشيوعيين تجاهه اندلعت حملة مستعرة ضده حركها "سارتر" من وراء الستار دون أن يتورط مباشرة في الهجوم على صديقه القديم الذى رد بتوجيه الهجوم إلى "سارتر" شخصياً، فما كان من "سارتر" إلا أن قطع علاقته بكامي عبر رسالة مؤثرة قال له فيها: "عزيزي كامي لم تكن صداقتنا سهلة يسيرة بيد أنى سأفقدها إذ أنهيتها أنت اليوم فذلك يعنى أنه كان ضرورياً أن تنتهي أمور كثيرة جذبت كلينا إلي الآخر وأمور قليلة فرقتنا، ولكن هذا القليل على قلته كان ولا يزال كثيرا جدًا" ...

القصة الثانية:
وإن كانت تتفق مع الأولى في سياقها التاريخي والسياسي بوصفها بدأت قبل الحرب العالمية الثانية واستمرت في أعقابها، إلا أنها تختلف عنها على مستوى السياق الفكري وطبيعة العلاقة بين طرفيها، وهي قصة الحب الأشهر في القرن العشرين بين الفيلسوف الوجودي العملاق مارتن هايدجر و المنظرة السياسية الشهيرة "حنة آرندت"، وهي علاقة بدأت عام 1925 مع صعود النازية في ألمانيا بين الفيلسوف الألماني الأبرز في القرن العشرين المؤيد للنازية والذى كان يعتقد أن تهويد الثقافة الألمانية يشكل رعباً حقيقياً على القومية الألمانية، وبين تلميذته اليهودية التي كانت وقتها باحثة شابه لم يتجاوز عمرها 18 عاما، ولذلك كان طبيعياً جداً أن تتأثر العلاقة بين (قرصان البحر) كما أطلقت "حنة" على
"هايدجر" وبين (حورية الغابة) كما أطلق "هايدجر" على "حنة" بأجواء صعود النازية في ألمانيا فـ"هايدجر" المعروف بولائه الفكري للنزعة القومية الألمانية قد تولى عمادة جامعة "فرايبورج"، بعد وصول الحزب النازي إلى الحكم عام 1933 في الوقت الذى لاحقت فيه السلطات الألمانية حبيبته اليهودية، فأجبرتها على الهرب إلى فرنسا ثم الولايات المتحدة الأمريكية؛ ليتشكل مشروعها الفكري في إطار عدائها للنازية بعكس حبيبها الذى طُرد في مرحلة لاحقة من الجامعة بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، لتتجدد بعدها العلاقة التي انقطعت بفعل اختلافهما السياسي وتستمر حتى رحيلهما عام 1975 ....
أما القصة الثالثة والأخيرة:
فهي الأكثر عنفاً وغرابة سواء فيما يتعلق بسياقها الزمنى أو أبطالها أو مداها في العنف لأنها أولاً وقعت في مصر إبان ما عرف بالحقبة الليبرالية المنفتحة، ولأنها ثانياً قد حدثت بين اثنين من أهم وأكبر مفكري مصر في القرن العشرين، ولأنها ثالثاً تطورت إلى استخدام العنف المادي والاعتداء الجسدي وهى قصة تعدى المفكر المصري وأستاذ الفلسفة الشهير الدكتور "عبدالرحمن بدوى" ورفاقه بحركة "مصر الفتاة" على الكاتب والمفكر الكبير "عباس محمود العقاد"، وهي واقعة موثقة لم يخجل "عبدالرحمن بدوى" من سردها بتفاصيلها في مذكراته بعنوان ( سيرة حياتي) التي تحدث فيها عن علاقته بحركة "مصر الفتاة" في نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات، فأستاذ الفلسفة الذي وصفه "طه حسين" بأنه فيلسوف مصر القادم اعتقد هو ورفاقه في "مصر الفتاة" بأن "العقاد" كاتب مأجور يهاجم الحركة لحساب السعديين، فبدأ رفاقه في الرد على "العقاد" بمقالات منشورة في جريدة "مصر الفتاة" ولما لم تؤتِ المقالات أُكلها نظراً للوذعية "العقاد" وقدرته الفائقة على إحراج خصومه ومناظريه أوعز أستاذ الفلسفة الشاب إلى اثنين من رفاقه فى الحركة بضرورة ردع "العقاد" باستخدام العنف، فما كان منهما إلا أن تربصاً بـ"العقاد" أسفل بيته بمصر الجديدة وحال رؤيتهما له أوسعاه ضرباً وصفعاً وركلاً وهدداه بعلقة جديدة إذا ما عاد للتطاول على "مصر الفتاة"، وهنا يقول "بدوى" بنشوة المنتصر وقد أحدثت هذه العلقة أثرها الحاسم فخرس "العقاد" خرساً تاماً ولم يعد إلى الكتابة ضد "مصر الفتاة" ...

إعلان

إعلان

إعلان