إعلان

رجاء الجداوي والإناء الذي نضح..!

أمينة خيري

رجاء الجداوي والإناء الذي نضح..!

أمينة خيري
08:05 م الإثنين 06 يوليه 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

رحم الله الفنانة الجميلة الأنيقة اللطيفة رجاء الجداوي. ورحم الله ما ولّى، وأدبر، وذهب، وانقشع، وتبخر في الهواء من قواعد وقيم وسلوكيات وأبجديات ذوق وأخلاق وسلوك. ومنذ تواتر أنباء عن مرض الراحلة الجميلة بفيروس كورونا المستجد، والإناء ينضح، وينثر ويتفجر بما أصبحنا عليه من قيم وأفكار وقواعد وسلوكيات.

كانت البداية مع مرض الجداوي ونقلها لمستشفى عزل وبدء تلقيها العلاج. هاج البعض على مواقع التواصل اللاإنساني مبكتين منددين معترضين على خضوع الفنانة للعلاج من الأصل. ودارت الاسطوانة المشروخة "آه يا بلد الغلبان مالوش فيكِ مكان" و"طبعاً علشان فنانة لقت مكان والملايين غيرها مرميين في الشارع" إلى آخر منظومة أنشودة "الغُلب القاتل" و"الفقر القاتل".

وكان يمكن تفهم أو تقدير سبب الغضب في حال كان كل شاغلي الأماكن المتاحة في مستشفيات العزل التابعة لوزارة الصحة من عِلية القوم والفنانين والساسة ورجال وسيدات الأعمال والأثرياء... إلخ، لكن أن يتم صب الغضب وإشعال فتيل الفقر والغلب لمجرد أنها فنانة تتلقى العلاج، فهذا أمر تعيس.
وتتكامل أركان التعاسة بانضمام حزب المتدينين الجدد المستمر في ضرب أخلاقنا وثقافتنا ومجتمعنا في مقتل منذ ما يزيد على نصف قرن. فمن تعمل بالفن ساقطة بالضرورة. شعرها مكشوف، وترتدي فساتين، وتتحدث مع رجال، وتبيع نفسها وجسدها إلى آخر قائمة التدين الجديد. وإذ بنافورة من "المتدينين" تتجادل فينا بينها حول إذا ما كان من حق الجداوي أن تلقى العلاج المتاح لغيرها من "المتدينين" المحافظين الذين يتميزون عنها باعتناق "الدين الجديد" الذي أتوا به في أواخر السبعينيات، وتم التمهيد له قبل نحو قرن من الزمان مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين.

المتدينون الجدد الوسطيون أجمعوا على أنه على الرغم من عملها بالفن، وعلى الرغم من انتهاجها طريقاً خاطئاً، وعلى الرغم من استمرار عملها في مجال غير محترم وبعيد عن الدين، وعلى الرغم من أنها لم تلتزم بيتها بعد تقدمها في العمر لتنتظر الموت، إلا أنه لا مانع من أن تتلقى العلاج لعلها تعتبر وتعود إلى ربها.

وعلى الطرف الآخر من خط المتدينين الجدد، من لم يألُ جهداً في صب لعنات تدينه الجديد على الجداوي والإفراط في تقيؤ كل ما يموج به قلبه من غل وغضب وحنق ليعتبر حرمانها من العلاج عقاباً دنيوياً لها.
ولم تتوقف تجربة الراحلة الجميلة عند هذا الحد، بل مضت قدماً لتقدم لنا صورة وافية شارحة لما أصبحنا عليه لعلنا نفيق من غيبوبتنا.

فقد بدأت الأنباء عن وفاة الجداوي تقفز إلى مواقع للأسف إنها خبرية وأخرى على "فيسبوك" و"تويتر" وذلك عقب أيام من دخولها.

وسواء كان نشر وتداول هذه الشائعات جاء لتحقيق غاية التريند أو على قبيل الشير دون تفكير، فإن المسالة زادت على الحد.

وإذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي لا تخضع لمعايير العمل الصحفي وقواعد التدقيق والتيقن، فإن مواقع ووسائل إعلامية عدة وقعت في الخطر القاتل.
قتل مزدوج اقترفه البعض من وسائل الإعلام حين اعتبر نشر تصريح الدفن سبقا، واعتباره "كشفاً مبيناً" عن عمر الراحلة الحقيقي. وزاد طين الكشف بلة الطريقة والكلمات التي صاحبت إجراءات الصلاة والدفن.

وقد هالني ما تم استخدامه من ألفاظ في عدد من الصحف والمواقع الخبرية في إشارة إلى "بروتوكول" دفن مريض كورونا والتي لا أريد أن أكررها هنا لفداحتها.

ويكفي القول بأن هذه الألفاظ وحدها كفيلة ليس فقط بتجذير وصمة من يصاب بالفيروس، بل بنشر الهلع والرعب بين الناس.
رحلة إصابة وعلاج ووفاة الراحلة الجميلة الأنيقة رجاء الجداوي فيها بدلاً من الدرس عشرة وبدلاً من دواعي "نوبة الصحيان" مائة. ويكفي أن الإناء نضح بما فيه دون جهد أو ضغط أو بحث أو دراسة.

ألف رحمة ونور على الجميلة رجاء الجداوي.

إعلان

إعلان

إعلان